المسعودي

161

مروج الذهب ومعادن الجوهر

قال المسعودي : ومن طرائف أخبار ملوك الصين أن رجلًا من قريش من ولد هبَّار بن الأسود لما كان من أمر صاحب الزنج بالبصرة ما كان واشتهر خرج هذا الرجل من مدينة سيراف ، وكان من أرباب البصيرة وأرباب النعم بها ، وذوي الأحوال الحسنة ، ثم ركب منها في بعض مراكب بلاد الهند ، ولم يزل يتحول من مركب إلى مركب ، ومن بلد إلى بلد ، يخترق ممالك الهند ، إلى أن انتهى إلى بلاد الصين فصار إلى مدينة خانقوا ، ثم دعته همته إلى أن صار إلى دار ملك الصين ، وكان الملك يومئذ بمدينة حمدان ، وهي من كبار مدنهم ، ومن عظيم أمصارهم ، فأقام بباب الملك مدة طويلة يرفع الرقاع ويذكر أنه من أهل بيت نبوة العرب ، فأمر الملك بعد هذه المدة الطويلة بإنزاله في بعض المساكن وإزاحة العلة من أموره وجميع ما يحتاج اليه ، وكتب إلى الملك المقيم بخانقوا يأمره بالبحث عنه ، ومسألة التجار عما يدعيه الرجل من قرابة نبي العرب صلى الله عليه وسلم ، فكتب صاحب خانقوا بصحة نسبه ، فأذن له في الوصول اليه ، ووصله بمال واسع ، وأعاده إلى العراق ، وكان شيخاً فهماً ، فأخبر أنه لما وصل اليه وسأله عن العرب ، وكيف أزالوا ملك العجم ، فقال له : با لله عز وجل ، وما كانت العجم عليه من عبادة النيران والسجود للشمس والقمر من دون الله عز وجل ، فقال له : لقد غلبت العرب على أجلِّ الممالك وأنفسها وأوسعها ريْعاً وأكثرها أموالا وأعقلها رجالا وأهداها صوتاً وأبعدها صيتاً ، ثم قال له : فما منزلة سائر الملوك عندكم ؟ فقال : ما لي بهم علم ، فقال للترجمان : قل له : إنا نعدُّ الملوك خمسة : فأوسعهم ملكاً الذي يملك العراق ، لأنه في وسط الدنيا ، والملوك محدقة به ، ونجد اسمه ملك الملوك ،